محمود توفيق محمد سعد

296

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( البقرة : 60 ) وفي سورة " الأعراف " ) ( ي : 160 ) وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ جاء البيان كما ترى في سورة البقرة بقوله ( انفجرت ) وفي سورة الأعراف ( انبجست ) وغير خفيّ أنهما ليسا سواء في مدلولهما ، فالانفجار أعظم من الانبجاس فما أثر السياق في اصطفاء كلّ كلمة في سياقها ؟ يقول " البقاعي " : " وما أنسب ذكر الانفجار هنا بعد ختم ما قبل بالفسق لاجتماعهما في الخروج من المحيط : هذا خروج يحيي ، وذاك خروج يميت . قال " الحرالّيّ " : الانفجار انبعاث وحي من شيء موعى أو كأنّه موعى انشق وانفلق عنه وعاؤه ومنه الفجر وانشقاق الليل عنه " انتهى ولأنّ هذا سياق الامتنان عبر بالانفجار الذي يدور معناه على انشقاق فيه سيلان وانبعاث مع انتشار واتساع وكثرة . ولمّا لم يكن سياق " الأعراف " للامتنان عبّر بالانبجاس الذي يدور معناه على مجرد الظهور والنبوع " « 1 » فالسياق هو الذي اقتضى اصطفاء الانفجار في سورة " البقرة " وهو الذي اقتضى اصطفاء الانبجاس في سورة " الأعراف " وأنت إذا نظرت في دائرة السياق القريبة في سورة " البقرة " تجده قد بدأ من الآية الأربعين : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ بالامتنان على بني إسرائيل بذكر ما أفاض عليهم من النعم غير انّه لم يكن منهم إلا تماديا في الضلالة تنفيرا للأمة المحمدية من أن تقتدي بمنهاجهم وشرعتهم أمّا السياق القريب في سورة " الأعراف " فإنّه ظاهر في تصوير إسراع بني إسرائيل في الضلالة ، تراه يبدأ بقوله سبحانه وتعالى : ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( لأعراف : 103 )

--> ( 1 ) - نظم الدرر : 1 / 404